الرئيسية / مقالات خاصة / صنع المعادلة ومضى

صنع المعادلة ومضى

صنع المعادلة ومضى: الشهيد حسن نصر الله من المهد إلى اللحد.
قراءة تحليلية في مسار التكوين وصناعة الردع والوعي.

بقلم: الإعلامية جمانة كرم عياد

ثمة قادة تنتهي حكايتهم عند حدود مواقعهم الرسمية، وثمة قادة يتجاوز حضورهم حدود الوظيفة، فيتحولون إلى ظاهرة سياسية واستراتيجية تستدعي القراءة حتى بعد غياب أصحابها.
وينتمي السيد حسن نصر الله إلى هذا النوع من القادة الذين ارتبطت سيرتهم بتحولات كبرى في لبنان والإقليم.
فلم يكن الرجل مجرد أمين عام لتنظيم سياسي وعسكري، ولا مجرد خطيب ارتبط اسمه بشاشات المنطقة؛ بل كان نتاج مسار تراكمي من التكوين الديني والسياسي والاجتماعي، أفضى إلى تجربة قيادية تركت أثرًا عميقًا في لبنان وفلسطين والمنطقة، وأصبحت بعد رحيله موضوعًا مفتوحًا للقراءة والمراجعة.
ومن هنا تتضح دلالة العنوان: «من المهد إلى اللحد».
فالمسألة ليست استعادة سيرة رجل من ولادته إلى استشهاده، وإنما تتبع المسار الذي انتقل فيه الإنسان من بيئة التكوين الأولى إلى موقع صناعة القرار، وصولًا إلى اللحظة التي غاب فيها الجسد وبقيت الأسئلة التي صنعتها التجربة.
أولًا: من المهد… حين تصبح البيئة جزءًا من التكوين
في أحياء الكرنتينا والنبعة، وفي بيئة اجتماعية خبرت الحرمان والتحولات السياسية، تشكلت البدايات الأولى لشخصية السيد حسن نصر الله.
لم تكن تلك البيئة مجرد جغرافيا عابرة؛ فالإنسان يتشكل بالمكان بقدر ما يتشكل بالمعرفة. وفي البيئات المضطربة، تتخلق مبكرًا أسئلة العدالة والانتماء والهوية والقوة، فتتحول التجربة اليومية إلى مدرسة موازية للكتب.
ثم جاء التكوين الديني والسياسي ليمنح تلك الأسئلة إطارًا أوسع، فبرزت فلسطين في وعيه قضية مركزية، وتداخلت لديه مفاهيم الدين والمقاومة والتحرر.
وهكذا لم يولد القائد مكتمل الملامح؛ بل تشكل تدريجيًا عبر البيئة والمعرفة والتجربة.
ثانيًا: من الوعي الفردي إلى المأسسة التنظيمية
شكّل الانتقال من الوعي الفردي إلى الفعل التنظيمي تحولًا أساسيًا في مسيرته.
ومع تطور تجربة حزب الله، انتقل التنظيم من مرحلة التأسيس والمواجهة الأولى إلى بناء مؤسسات وأطر أكثر تعقيدًا. ثم جاءت لحظة عام 1992، إثر استشهاد السيد عباس الموسوي، ليتولى السيد حسن نصر الله الأمانة العامة في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
ومنذ ذلك الحين، أصبح أمام اختبار متعدد الأبعاد: المحافظة على تماسك البنية الداخلية، وإدارة الصراع مع إسرائيل، والعمل داخل بيئة لبنانية وإقليمية شديدة التجاذب.
وهنا بدأ اسم السيد نصر الله يرتبط بصورة قيادة لا تقتصر على اتخاذ القرار، بل تشمل القدرة على إدارة نتائجه وتحمل أثمانه.
ثالثًا: من الرد اللحظي إلى «صناعة المعادلة»
تجلت إحدى أبرز سمات تجربته في الانتقال من التعامل مع الصراع باعتباره سلسلة من ردود الأفعال، إلى محاولة بناء معادلات تجعل كلفة قرار الخصم جزءًا من حساباته.
برز ذلك في محطات مفصلية، من انسحاب إسرائيل من معظم جنوب لبنان عام 2000، إلى حرب تموز 2006، ثم في المرحلة التي أعقبت اندلاع حرب غزة عام 2023 وما رافقها من فتح جبهة لبنان.
وكانت «المعادلة» هنا أوسع من بعدها العسكري؛ إذ امتدت إلى إدارة الزمن، وبناء الوعي، والقدرة على الاحتمال، وإدارة الخطاب السياسي والإعلامي.
لقد أدرك السيد نصر الله أن المعركة لا تجري في الميدان وحده، بل في الوعي أيضًا.
ولهذا كان الخطاب لديه جزءًا من إدارة الصراع؛ يفسر الحدث، ويقدم قراءة له، ويحدد الرسائل السياسية والنفسية التي يريد إيصالها إلى جمهوره وخصومه في آن واحد.
ومن هنا تحولت المنصة الإعلامية، في تجربته، إلى مساحة لبناء الوعي السياسي، لا مجرد وسيلة لإعلان المواقف.
رابعًا: حين يدفع القائد ثمن ما يقول
كان استشهاد نجله هادي عام 1997 من أكثر اللحظات التي ارتبطت بصورة السيد نصر الله الشخصية والعامة؛ إذ جعلت التضحية التي يتحدث عنها القائد حاضرة في حياته الخاصة أيضًا.
لكن القراءة التاريخية لا تكتمل بصورة البطولة وحدها.
فكل تجربة سياسية وعسكرية كبرى تحمل معها أثمانًا وتعقيدات. وقد واجه حزب الله جدلًا واسعًا داخل لبنان وخارجه حول دوره السياسي والعسكري وخياراته في الحرب والسلم، كما تحمل لبنان كلفة بشرية ومادية كبيرة خلال مراحل الصراع المختلفة.
ولهذا فإن قراءة تجربة نصر الله تحتاج إلى وضع الإنجازات التي ينسبها مؤيدوه إلى قيادته، والأثمان والاعتراضات التي يطرحها خصومه، داخل سياق تاريخي واحد، بدل اختزال التجربة في صورة واحدة.
خامسًا: اتساع الجغرافيا… فلسطين واليمن
لم تكن فلسطين تفصيلًا عابرًا في خطاب السيد حسن نصر الله، بل احتلت موقعًا مركزيًا فيه.
ومع حرب غزة التي بدأت في أكتوبر 2023، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد، وأصبحت جبهة لبنان جزءًا من المشهد الإقليمي الأوسع. وقد أعلن حزب الله أن عملياته مرتبطة بدعم غزة وفلسطين، بينما قدمت إسرائيل والولايات المتحدة توصيفات مختلفة لطبيعة الصراع وأهدافه.
وفي اليمن، اتخذ السيد نصر الله موقفًا علنيًا من الحرب التي بدأت عام 2015، ما جعل خطابه حاضرًا في الذاكرة السياسية اليمنية لدى مؤيديه.
وهكذا اتسعت جغرافيا خطابه من جنوب لبنان إلى فلسطين واليمن، وتداخلت في خطابه قضايا يرى أنها تنتمي إلى فضاء إقليمي واحد، وإن اختلفت ظروف كل ساحة وتعقيداتها.
سادسًا: إلى اللحد… حين يصبح الرحيل اختبارًا للأثر
في 27 سبتمبر 2024، استشهد السيد حسن نصر الله في غارة إسرائيلية استهدفت مقرًا لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأعلن الحزب وفاته في اليوم التالي.
كان الحدث نقطة فاصلة في تاريخ الحزب والمنطقة.
لكن معيار أي تجربة قيادية لا يقاس فقط بما ينجزه صاحبها وهو حاضر، بل بما يحدث لتلك التجربة بعد غيابه.
ومن هنا بدأ السؤال الأصعب:
هل كانت تجربة حزب الله مرتبطة بشخص السيد نصر الله بدرجة أساسية، أم أن العقود التي قضاها في بناء التنظيم أسهمت في ترسيخ مؤسسات وبنى قادرة على الاستمرار بعد رحيله؟
ذلك سؤال لا تجيب عنه الخطب، ولا تحسمه لحظة واحدة؛ وإنما تتركه السنوات اللاحقة للميدان والتاريخ.
الخاتمة: ما الذي يبقى حين ينطفئ الضوء؟
من المهد إلى اللحد، تبدو سيرة السيد حسن نصر الله مسارًا متصلًا: بيئة صاغت الأسئلة الأولى، ومعرفة شحذت الرؤية، وتنظيم منحها أدوات الفعل، وميدان اختبرها، ثم نهاية جاءت في قلب الصراع.
لكن التاريخ لا يحتفظ بالرجال لطول بقائهم فقط؛ بل لما يتركونه من أسئلة تتجاوز أعمارهم.
رحل السيد حسن نصر الله، وبقيت تجربته موضوعًا حيًا للقراءة في لبنان وفلسطين واليمن والمنطقة.
وهنا تستعيد العبارة عنوانها الأول:
صنع المعادلة… ومضى.
أما المعادلة، فلم تعد حكاية رجل واحد؛ بل أصبحت موضوعًا لاختبار الزمن، ولقراءة ما إذا كانت البنى التي تشكلت خلال عقود قادرة على الاستمرار والتحول بعد غياب صاحبها.
فالعبرة ليست فقط بكيف يقف القائد تحت الضوء، بل بما يتركه خلف الضوء.
من المهد بدأت الحكاية.
وعند اللحد غاب الجسد.
وبين المهد واللحد بقي الأثر، وبدأ التاريخ كتابة الصفحة التي لا يستطيع صاحبها أن يكتبها بنفسه.

شاهد أيضاً

تكامل الادوار بين هرمز وباب المندب يفشل الحصار على إيران

تكامل الادوار بين هرمز وباب المندب يفشل الحصار على إيران الإعلامية جمانة كرم عياد الثلاثاء …

الاشترك بخدمة الخبر العاجل