من دم القائد إلى زلزال الأمة… تشييع الخامنئي يُسقط رهانات واشنطن ويكشف قوة الإرادة المقاومة.
جمانة كرم عياد.
لم يكن تشييع القائد الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي حدثاً جنائزياً عادياً، ولا مشهداً عاطفياً عابراً، بل تحول إلى محطة تاريخية واستراتيجية كشفت حجم التحولات التي يشهدها الإقليم والعالم، وأعادت رسم معادلات القوة والردع، وأسقطت رهاناتٍ بُنيت على فرضية أن اغتيال القادة كفيل بإسقاط الدول وإرباك المؤسسات وتفكيك الجبهات.
امتدت مراسم التشييع في مدينة قم المقدسة على طول سبعة كيلومترات، من مسجد جمكران حتى مرقد السيدة فاطمة المعصومة، في مشهد شعبي مهيب شاركت فيه حشود غفيرة من الإيرانيين والجاليات العربية والإسلامية، بعد الصلاة على الجثمان بإمامة المرجع الكبير آية الله جوادي آملي، ليشكل هذا الحضور الاستثنائي رسالة سياسية وشعبية تجاوزت حدود إيران إلى الإقليم والعالم.
لقد راهن الحلف الصهيوني ـ الأمريكي، مدعوماً بمراكزه الاستخباراتية والاستراتيجية، على أن استهداف الإمام الخامنئي سيُحدث فراغاً قيادياً وسياسياً ومرجعياً، ويفتح الباب أمام اضطرابات داخلية وانهيار تدريجي لمؤسسات الدولة، تمهيداً لإعادة تشكيل المشهد الإيراني وفق الرؤية الأمريكية. إلا أن الوقائع جاءت بعكس تلك التوقعات، فتحول الاستهداف إلى لحظة تماسك وطني، وتجديد للمؤسسات، وتعزيز للشرعية، وإعادة إنتاج للقيادة ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية.
سقوط نظرية إسقاط الدول باغتيال القادة:
أثبتت التطورات أن النظريات العسكرية التي تقوم على أن اغتيال رأس الدولة يؤدي تلقائياً إلى انهيار منظومة القيادة والسيطرة لم تعد صالحة للتطبيق على الدول التي تمتلك مؤسسات راسخة وعقيدة سياسية وتنظيمية متماسكة.
فبدلاً من الفوضى والانهيار، برزت قدرة مؤسسات الدولة على استيعاب الصدمة، واستمرار عملها بكفاءة، وإدارة مرحلة الانتقال بصورة منظمة، وهو ما أفشل الرهان على إحداث فراغ استراتيجي داخل الجمهورية الإسلامية.
التماسك المؤسسي… صلابة الدولة في مواجهة الصدمة:
أظهرت الأحداث أن قوة الدولة الإيرانية لا تستند إلى شخصية القائد فحسب، بل إلى منظومة مؤسساتية متكاملة تمتلك آليات دستورية وقانونية لاستمرارية القرار وإدارة الأزمات.
وقد عكس ذلك قدرة النظام السياسي على الحفاظ على استقراره، وتجديد هياكله، وإرسال رسالة واضحة بأن استهداف القيادات لا يعني تعطيل الدولة أو شل قدرتها على اتخاذ القرار.
التشييع… رسالة شعبية تتجاوز حدود الجغرافيا:
لم تكن الملايين التي خرجت لتشييع القائد الشهيد مجرد حشود لتوديع قائد، بل كانت إعلاناً عن وحدة وطنية وشعبية، ورسالة بأن استهداف القيادة زاد من تماسك المجتمع بدلاً من تفكيكه.
كما حملت مراسم التشييع دلالات رمزية كبيرة، جسدت التفاف شرائح واسعة حول خيار الصمود، وأكدت أن الاغتيالات السياسية قد تتحول إلى مصدر تعبئة وإحياء للمشروع الذي حمله القائد الشهيد.
البعد العسكري… من الهيمنة إلى الردع المتبادل:
في القراءة العسكرية، لم تكن الضربة الأمريكية مجرد عملية عسكرية، بل اختباراً لصلابة منظومة القيادة والسيطرة والجاهزية الدفاعية.
وتشير القراءة الاستراتيجية إلى أن الصراع دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الهيمنة العسكرية وحدها كافية لفرض الإرادة السياسية، بل أصبحت معادلة الردع المتبادل هي العنصر الحاكم.
لقد أظهر استمرار الجاهزية المؤسسية والعسكرية أن العقيدة الدفاعية الإيرانية تقوم على استمرارية القيادة وتعدد مستويات اتخاذ القرار، بما يضمن استمرار إدارة العمليات حتى في أصعب الظروف، وهو ما قلل من الأثر العملياتي الذي كان يُراد تحقيقه من عملية الاغتيال.
كما برزت مؤشرات على استمرار عمل قوة القدس ووحدات الدفاع الصاروخي ضمن منظومة القيادة والسيطرة، بما يعكس جاهزية القيادة البديلة واستمرار إدارة العمليات بعد الاغتيال. وتزامناً مع التشييع، حمل رفع الجاهزية في منظومات الدفاع الجوي والقدرات الصاروخية رسالة ردع موازية للمشهد الشعبي، فيما أشارت قراءات عسكرية إلى استمرار خطوط الإمداد والدعم اللوجستي للحلفاء، ونجاح الأجهزة الأمنية في احتواء محاولات الاختراق والتضليل الإعلامي. وفي ضوء ذلك، ترجح تقديرات عدد من المحللين أن أي رد إيراني محتمل ـ إن وقع ـ قد يأتي ضمن معادلة متعددة المستويات، عسكرياً وسيبرانياً وعبر الحلفاء، بما يعزز الردع ويرفع كلفة أي تصعيد جديد.
كما أن المشهد الشعبي الواسع وفر غطاءً معنوياً يعكس تماسك الجبهة الداخلية، وهو عنصر أصبح في العقائد العسكرية الحديثة جزءاً من القوة الوطنية الشاملة، التي تجمع بين الإرادة الشعبية والقدرة العسكرية.
ومن زاوية الحرب النفسية، حملت صور التشييع رسالة معاكسة تماماً لما كان يطمح إليه منفذو عملية الاغتيال؛ إذ تحولت مشاهد الملايين المحتشدة إلى رسالة بأن استهداف القيادة لم يؤدِّ إلى انهيار المعنويات، بل إلى ارتفاع منسوب التعبئة والاستعداد، وهو ما يمنح الدولة قدرة أكبر على الصمود في أي مواجهة مقبلة.
كما أن استمرار تطوير القدرات الدفاعية والصاروخية، والحفاظ على الجاهزية العسكرية، يؤكد أن معادلة الردع لا تقوم على الأفراد، وإنما على منظومة متكاملة من المؤسسات والعقيدة والإمكانات العسكرية والتكنولوجية.
البعد الدولي… انحياز عالمي يتشكل:
شكّل الحضور الدولي الواسع في مراسم التشييع مؤشراً على أن إيران أصبحت رقماً مؤثراً في المعادلات الإقليمية والدولية، وأن كثيراً من الدول باتت تنظر إلى التطورات في المنطقة من منظور يتجاوز الاصطفافات التقليدية.
كما حمل المشهد رسالة بأن الضغوط والعقوبات والعمليات العسكرية لم تمنع استمرار العلاقات السياسية والدبلوماسية مع طيف واسع من القوى الدولية، وهو ما يعكس تحولات تدريجية في البيئة الدولية.
الضربة الأمريكية… بين الحسابات العسكرية والنتائج السياسية:
جاءت الضربة الأمريكية الأخيرة ضمن محاولة لإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، إلا أن نتائجها السياسية والاستراتيجية بدت أقل من التوقعات التي رافقتها.
فالقدرة على توجيه ضربة لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق أهدافها السياسية، خصوصاً عندما ينجح الطرف المستهدف في الحفاظ على تماسكه، وإعادة تنظيم مؤسساته، وتحويل الحدث إلى عامل تعبئة داخلية.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المحللين أن واشنطن تحاول الموازنة بين التصعيد العسكري والضغط السياسي، أملاً في دفع طهران نحو ترتيبات تفاوضية جديدة، إلا أن المشهد الذي أعقب عملية الاغتيال أظهر أن حسابات الميدان تبقى أكثر تعقيداً من الرهانات النظرية.
من التشييع إلى معادلة عالمية جديدة:
لقد تجاوز تشييع الإمام الخامنئي حدود كونه حدثاً إيرانياً، ليغدو مؤشراً على تحولات أوسع في النظام الدولي، حيث تتراجع تدريجياً فكرة الهيمنة المنفردة لصالح بيئة دولية أكثر تعددية وتشابكاً في مراكز القوة والتأثير.
ففي زمن أصبحت فيه إرادة الشعوب، والتماسك المؤسسي، والقدرة على الصمود، عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية، بدا واضحاً أن مستقبل الصراعات لن يُحسم بالسلاح وحده، بل بمن يمتلك القدرة على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى عناصر قوة.
الخاتمة:
أراد منفذو الاغتيال أن يكون دم القائد بداية انهيار المشروع الذي مثله، فإذا به يتحول إلى لحظة تاريخية أعادت تعبئة الجماهير، ورسخت التماسك المؤسسي، وأعادت طرح أسئلة كبرى حول مستقبل موازين القوى في المنطقة.
لقد أثبتت الأحداث أن اغتيال القادة قد يغير الأشخاص، لكنه لا ينجح بالضرورة في إسقاط الأفكار أو تفكيك المؤسسات أو كسر إرادة الشعوب.
ومن هنا، لم يكن تشييع الإمام الخامنئي مجرد وداع لقائد، بل إعلاناً بأن راية الدم يمكن أن تتحول إلى راية صمود، وأن محاولات فرض الإرادة بالقوة قد تنتهي إلى نتائج معاكسة، عندما تواجهها أمة ترى في التضحيات بداية مرحلة جديدة لا نهايتها.
LRN News جريدة الكترونية شاملة