الرئيسية / مقالات خاصة / ساجد محمد المهدي عيّاد.. شهيدُ الولاء الحسينيّ وراهبُ الميدان

ساجد محمد المهدي عيّاد.. شهيدُ الولاء الحسينيّ وراهبُ الميدان

ساجد محمد المهدي عيّاد.. شهيدُ الولاء الحسينيّ وراهبُ الميدان.

الإعلامية جمانة كرم عياد.

​ليس كل شهيدٍ يكتب سيرته بدمه، لكن قلةً من الشهداء يكتبون أسماءهم في وجدان الأمة حتى يصبح الاسم عقيدةً، والدم رسالةً، والشهادة ميلاداً جديداً. وكان الشهيد الولائي الحسيني ساجد محمد المهدي عيّاد واحداً من هؤلاء.
​من محراب جويا إلى عرش الخلود.. لم يكن الولاءُ للإمام الحسين عليه السلام عنده شعارًا يُرفع، بل جهدًا ولائيًا حسينيًا عاشه في صلاته واعتكافه، وفي أخلاقه وجهاده، حتى ختم مسيرته بالشهادة. فصار دمه بيانًا لا يُؤوَّل، واسمه رايةً لا تنكس، وسيرته ملحمةً خالدةً تُضيء درب الأحرار، وتبقى شاهدًا على أن الولاء الحق يُكتب بالمواقف قبل الكلمات.
​حين يصبح الاسم رسالةً والشهادة ميلاداً جديداً:
من بلدة جويا التي احتضنت تاريخاً من العلم والأدب والتدين، ومن بيتٍ عُرف بجذوره الإيمانية واحتضانه للعلماء والأدباء والشعراء، خرج شابٌ لم يكن عابراً في مسيرة الحياة، بل كان مشروع إنسانٍ حمل في روحه معنى العبادة، وفي أخلاقه معنى النبل، وفي مواقفه معنى الوفاء.
إنه الشهيد الولائي الحسيني ساجد محمد المهدي عيّاد؛ الاسم الذي لم يكن مجرد حروف، بل كان سيرةً كاملة، فقد التقت معانيه مع تفاصيل حياته، حتى أصبح الاسم مرآةً للمسار الذي اختاره.
فـ ساجد كان سجوده لله عنوان قوته
ومحمد كان في أخلاقه وخصاله محمود السيرة
والمهدي كان في طريقه طالباً للهداية والحق
وعيّاد بقي اسمه عائداً إلى القلوب في كل ذكرى، حاملاً معنى الوفاء والخلود.
لقد عاش الشهيد لأجل أن يترجم شعار الولاء الحسيني إلى واقعٍ نابض، فلم يكن الولاء عنده كلماتٍ تُقال، بل عبادةً وسلوكاً وموقفاً وتضحية.
​حين سبق القلبُ العمرَ إلى محراب الله:
كان ساجد مختلفاً منذ بداياته الأولى؛ فقد كانت روحه تنمو قبل سنوات عمره، وكأن قلبه كان يعرف الطريق قبل أن تعرفه خطواته.
صام ولمّا يكمل عامه السابع، وصلّى في العمر نفسه، ثم بلغ مقام الاعتكاف وواظب عليه لسنوات قبل بلوغ الحلم، في بلدة جويا التي احتضنت عائلة جده وأبيه.
لم تكن العبادة عنده عادةً، بل كانت حياةً كاملة.
في الليل كان راهباً راغباً راجياً، يقف بين يدي الله بقلبٍ حاضر، وفي النهار كان مقبلاً على الحياة بروحٍ قوية.
كان متحصناً بالصلاة وتعقيباتها، متلذذاً بتلاوة زيارة عاشوراء بعد كل صلاة، مواظباً على سورتي الملك والواقعة، وكانت للحسين عليه السلام منزلة خاصة في قلبه.
لم يكن الحسين عنده مناسبةً أو شعاراً، بل كان سكناً في الجوارح، وفكراً متربعاً في الوجدان، ومسيرةً انعكست على أخلاقه ومواقفه.
وكان للزهراء عليها السلام حضورها العميق في روحه، فلا يتقلص نصيبها من المحبة والزيارة، لأن الولاء عنده كان حالة عشقٍ وارتباط.
​أخلاقٌ كانت تمشي على الأرض:
كان الشهيد ساجد نموذجاً نادراً في أخلاقه؛ هادئاً، دائم الابتسامة، لطيف المعشر، عصياً على الاستفزاز، وكان كظم الغيظ من أجمل ما يزين شخصيته.
ساكن الحركات، بريء النظرات، جليل الملامح، قريباً من الناس، أنيساً للضعفاء من الأطفال والعجزة.
جمع بين التفوق العلمي والسمو الأخلاقي، فعُرف باجتهاده الدراسي والأكاديمي بدرجة جيدة جداً، لكنه كان يرى أن قيمة الإنسان ليست بما يعرف فقط، بل بما يقدمه للآخرين.
لذلك كان يتلذذ بخدمة المحتاجين والفقراء، ويجد سعادته في مساعدة من يقصده.
ولهذا كان رحيله صدمةً عميقة لكل من عرفه؛ زملاؤه وأصدقاؤه وأساتذته في المدرسة والجامعة عاشوا ألم الفراق، لكنهم عاشوا أيضاً سحر حضوره الذي بقي بعد غيابه.
جاؤوا لتأبينه من كل مكان، لا تمنعهم المسافات، يحملون دموع الفقد وذكريات الإنسان الذي ترك بينهم أثراً لا يمحوه الزمن.
​حين تحوّل الولاء إلى مسؤولية:
بدأ الشهيد طريقه في العمل الكشفي منذ صغر سنه، ثم تدرج في ميادين الإعداد والتدريب حتى أصبح من المجاهدين الذين حملوا مسؤولية الميدان.
لم يكن انتقاله إلى ساحات الجهاد انتقالاً مفاجئاً، بل كان امتداداً طبيعياً لمسيرة طويلة من البناء الروحي والانضباط وتحمل المسؤولية.
كان مرابطاً في الجنوب لأشهر طويلة، مندفعاً بحماسة عالية، وإرادة صلبة، وعزم لا يلين.
لم يكن صوت الطائرات يزرع في قلبه الخوف، بل كان يراه جزءاً من الطريق الذي اختاره.
في المهام الصعبة كان يحمل روحاً عالية ونفساً مطمئنة، يتحرك بانضباط وصبر، خلف خطوط العدو، في ظروف تحتاج إلى الشجاعة والتركيز والتحمل.
كان يسير بين القرى التي أحبها وأزقة الأحياء التي عرفها، يحمل أمانة الميدان بقلب ثابت لا يعرف التراجع.
​الابتسامة التي سبقت الخلود:
كانت الأيام الأخيرة من حياته شاهدةً على معدن هذا الشهيد.
طاردته المحلقات والمسيّرات لأيام، لكنه لم يرتجف ولم يتردد، ولم يسمح للخطر أن يكسر عزيمته.
أكمل طريقه بثبات، وأنجز مهامه رغم المشقة والتعب.
وحين أصيب قبل استشهاده بأيام، لم يجعل الجرح سبباً للابتعاد، بل ضمد جراحه وعاد إلى الميدان، لأن العهد الذي حمله كان أكبر من الألم.
ثم جاءت اللحظة التي اختصر فيها كل سنوات العبادة والصبر والثبات.
حاصرته الطائرات المسيّرة والحربية، وانهمرت عليه نيرانها لساعات، لكنه بقي ثابتاً مطمئناً.
ذلك الذي اعتاد السجود لله لم تنحنِ روحه أمام النار، وذلك الذي عاش مع القرآن والمناجاة لم تهزه لحظات الخطر.
حتى اختاره الله شهيداً، مخضباً بدمه، ضاحكاً مستبشراً مطمئناً؛ وكأن ابتسامته الأخيرة كانت إعلاناً بأن من عاش وفياً لمبادئه لا يخسر، بل ينتقل إلى حياةٍ أخرى من الخلود.
​الخاتمة: ساجد.. اسمٌ اختصر حكاية إنسان:
هكذا يُكتب الخلود:
ساجد… لأن السجود لله كان زاده وقوته.
محمد… لأن سيرته بقيت محمودة في قلوب من عرفوه.
المهدي… لأنه اختار طريق الهداية والثبات.
عيّاد… لأنه عاد إلى الناس ذكرى خالدة لا تغيب.
سلامٌ على روحٍ سكنها الحسين،
وسلامٌ على قلبٍ لم يجد الخوف إليه طريقاً،وسلامٌ على شهيدٍ جعل من اسمه رسالة، ومن شهادته ميلاداً جديداً.
​عهد الوفاء للشهيد:
يا ساجد الولاء الحسيني…
نعاهدك أن يبقى اسمك عنواناً للثبات، وأن تبقى سيرتك مدرسةً في العبادة والأخلاق والتضحية.
لقد عاش يبحث عن مرتبة الولاء الحسيني، فلم يكتف بحمل الشعار، بل حمل أمانته، حتى ختم الله له بالشهادة، فاستحق أن يُذكر شهيداً للولاء الحسيني، لا لأنه حمل هذا الوصف، بل لأنه عاشه في كل تفاصيل حياته.
نعاهدك أن يبقى ولاؤك الحسيني الذي عشته واقعاً لا شعاراً، نبراساً لكل من يبحث عن معنى الوفاء.
لقد رحلت بالجسد، لكنك بقيت في الذاكرة روحاً حاضرة، وفي القلوب قصةً لا تنتهي.
سلامٌ عليك يوم ولدت في بيت الإيمان،وسلامٌ عليك يوم عشت وفياً للعهد،وسلامٌ عليك يوم ارتقيت شهيداً،وسلامٌ عليك يوم تبعث حياً.
سلامٌ على الشهيد الولائي الحسيني
ساجد محمد المهدي عيّاد..
سيبقى اسم ساجد محمد المهدي عيّاد شاهداً على أن الولاء لا يُقاس بما يُقال على المنابر، بل بما يُبذل في ميادين التضحية، وأن بعض الرجال لا يكتبون تاريخهم بالحبر، بل يكتبونه بدمائهم، فإذا رحلوا، بقيت سيرتهم مناراتٍ تهدي القلوب إلى طريق الله، وإلى نهج الحسين عليه السلام …

شاهد أيضاً

معادلة الحصار بالحصار: كيف أصبح البحر الأحمر ساحة الردع الاقتصادي في الصراع اليمني – السعودي

معادلة الحصار بالحصار: كيف أصبح البحر الأحمر ساحة الردع الاقتصادي في الصراع اليمني – السعودي؟ …

الاشترك بخدمة الخبر العاجل