الرئيسية / مقالات خاصة / هُدم القصر… فارتفع الموقف

هُدم القصر… فارتفع الموقف

الإعلامية جمانة كرم عياد

هُدم القصر… فارتفع الموقف

ثلاثة وثلاثون عامًا في الغربة لم تمنع محمود حيدر من أن يرى في حطام بيته شيئًا صغيرًا أمام كرامة الإنسان وثباته؛ قصرٌ بُني بسنوات من التعب، سقط في لحظة، لكن صاحبه اختار أن يواجه الركام بكلمةٍ أقوى من الخراب.
في عربصاليم الجنوبية، لم يكن استهداف منزل محمود حيدر مجرد سقوط جدران وسقوف؛ بالنسبة لصاحبه كان انهيار حصيلة عمرٍ طويل من الاغتراب والعمل. فمحمود حيدر، اللبناني المغترب منذ نحو ثلاثة وثلاثين عامًا، أمضى سنوات طويلة في بلاد الاغتراب، قبل أن يبني في بلدته منزلًا كبيرًا جمع فيه ما استطاع من ثمرة سنواته وتعبه.
كان المنزل خاليًا عند وقوع الغارة، وفق المعلومات المتداولة، بعدما غادرت العائلة المكان في ظل الظروف الأمنية والتحذيرات السابقة، فلم تتحول الخسارة المادية إلى مأساة بشرية داخل الأسرة. لكن القصر الذي احتاج سنوات من الجهد والإنفاق لم يبقَ منه إلا الركام.
ثلاثة وثلاثون عامًا من الغربة… وحلمٌ اختصرته الجدران
الغربة الطويلة ليست مجرد مسافة بين الإنسان ووطنه؛ إنها سنوات من العمل والانتظار والحرمان من تفاصيل الحياة اليومية. وبعد أربعة عقود من الاغتراب، كان بناء البيت في عربصاليم تعبيرًا عن ارتباط الإنسان بأرضه، ومحاولة لاستعادة شيء من الوطن بعد سنوات بعيدة.
ولهذا فإن سقوط القصر لا يمكن اختزاله في قيمة عقارية أو مالية؛ فالبيت بالنسبة للمغترب ذاكرة، وعودة، وحصيلة عمر.
«حطام الدنيا» أمام تضحيات الناس
لكن المفارقة الأبرز لم تكن في حجم الدمار، بل في الطريقة التي اختار بها محمود حيدر الحديث عنه. ففي موقف عبّر فيه عن نظرته الشخصية إلى الخسارة، قال:
««نقول لقتلة الأنبياء: إن الله أكرمنا وشرّفنا أن نكون أتباع سيد البلغاء، حيدر الكرار، مذلّ أجدادكم، الذي قال: “دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز”.
وإني لأتشرف بأن أقول لأولادي وأحفادي إن الله أكرمني وأعزّني بأن عشت في زمن الرجال، رجال الله وسيدهم.
وأستحي أن أقول إني ضحّيت بحطام الدنيا أمام فلذات قلوبهم.
إن الله هو القوي القهار».»
هنا تتحول قيمة القصر من جدران وأثاث وأموال إلى معنى آخر: ماذا يساوي ما نملك أمام أرواحٍ وتضحياتٍ لا تُعوَّض؟
محمود حيدر… الاسم حين يكتسب معناه من الموقف
يحمل اسم «محمود» دلالة الحمد والثناء، ويحمل «حيدر» دلالة الأسد والشجاعة، وهي دلالات رمزية تلتقي بصورة لافتة مع اللغة التي اختارها الرجل في حديثه عن خسارته.
لكن الأسماء وحدها لا تصنع المواقف؛ الموقف هو الذي يمنح الاسم معناه. وحين يختار رجلٌ أمضى ثلاثة وثلاثين عامًا في الغربة أن ينظر إلى حصيلة عمره بوصفها «حطام الدنيا» أمام تضحيات الآخرين، فإن القيمة الحقيقية لا تعود في القصر الذي سقط، بل في الإنسان الذي بقي واقفًا أمام ركامه.
عربصاليم… حين لا يكون الركام نهاية الحكاية
القصر يمكن أن يُبنى من جديد، والجدران يمكن أن ترتفع مرة أخرى، لكن الموقف الذي يخرج من لحظة الخسارة يبقى شاهدًا على صاحبه.
لقد سقط البناء، لكن محمود حيدر أراد أن يقول إن ما تهدم هو الحجر، لا الإرادة؛ وإن ثلاثة وثلاثون عامًا من الغربة والعمل يمكن أن تضيع مادتها في لحظة، لكنها لا تستطيع أن تمحو ذاكرة الإنسان ولا حقه في أن يختار كيف يقف أمام خسارته.
هُدم القصر… وبقي صاحبه يقول: إن الله هو القوي القهار.

شاهد أيضاً

هرمز عقدة الحرب.. والمحور يفرض معادلاته على التفاوض

هرمز عقدة الحرب.. والمحور يفرض معادلاته على التفاوض الإعلامية جمانة كرم عياد الخميس 2026/09/3 وضعية …

الاشترك بخدمة الخبر العاجل