الرئيسية / مقالات خاصة / «لبيك يا حسين».. حين تمشي الملايين نحو كربلاء، وتمشي فلسطين معهم.

«لبيك يا حسين».. حين تمشي الملايين نحو كربلاء، وتمشي فلسطين معهم.

«لبيك يا حسين».. حين تمشي الملايين نحو كربلاء، وتمشي فلسطين معهم.

الإعلاميةجمانة كرم عياد

الأربعين ليست مجرد زيارة؛ إنها ذاكرة تتحرك، ورسالة تتجاوز الحدود من كربلاء إلى غزة
في كربلاء، لا يبدأ المشهد من المنابر، بل من الطريق؛ من أقدام ملايين الزائرين، ومن وجوه قطعت المسافات، ومن أطفال يمشون إلى جوار آبائهم، وشيوخ يستندون إلى عصيهم، وشباب يحملون راية الحسين ويرددون: «لبيك يا حسين».
على امتداد الطريق، تتغير قواعد الحياة المعتادة؛ بيوت تفتح أبوابها، وموائد تُنصب بلا مقابل، وأيدٍ تقدم الماء والطعام للغريب قبل القريب. هنا لا تكون الخدمة مجرد ضيافة، بل تتحول إلى قيمة اجتماعية تعيد تعريف معنى التكافل والإيثار.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم يبلغ عدد زوار الأربعين؟ بل: ما الذي يجعل ملايين البشر يمشون كل هذه المسافات من أجل رجل عاش قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً؟
كربلاء التي ما زالت تسأل
تكمن قوة الإمام الحسين عليه السلام في أنه لم يترك للأجيال قصة مغلقة، بل ترك سؤالاً مفتوحاً: ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح الظلم أمراً طبيعياً؟ وماذا يفعل عندما يُطلب منه الاختيار بين سلامة الجسد وكرامة الموقف؟
حين قال الحسين: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، وضع الثورة في إطار أخلاقي يتجاوز لحظة كربلاء.
ومن هنا بقيت عاشوراء حاضرة؛ لأنها لا تخاطب الماضي فقط، وإنما تخاطب الإنسان في كل زمان.
أما الأربعين، فتحول هذه الذاكرة إلى ممارسة جماعية؛ فالملايين لا يذهبون إلى كربلاء لمشاهدة التاريخ فقط، بل يعيدون إنتاجه في الوعي والسلوك والتضامن.

الطريق الذي يصبح رسالة
في الأربعين، لا يكون الطريق مجرد وسيلة للوصول؛ الطريق نفسه يصبح جزءاً من الحكاية.
كل موكب خدمة رسالة، وكل كوب ماء صورة من صور الإيثار، وكل منزل يستقبل الزائر نموذج للتكافل الشعبي.
وفي عالم تتسع فيه الفردانية والمادية، تقدم الأربعين مشهداً مختلفاً: إنسان يخدم إنساناً آخر لأنه يشترك معه في معنى وقيمة وذاكرة.
ولهذا تستحق الأربعين أن تُقرأ ليس دينياً فقط، بل اجتماعياً وثقافياً وإنسانياً؛ لأنها تقدم نموذجاً نادراً لقدرة المجتمع على التنظيم حول قيمة أخلاقية مشتركة.

غزة تدخل كربلاء
لكن كربلاء اليوم لا تسير وحدها.
في وجدان كثير من زوار الأربعين، تأتي غزة إلى الطريق: العلم الفلسطيني، صور الأطفال والشهداء، الدعوات للمدنيين، والعبارات التي تؤكد أن فلسطين ليست بعيدة عن الذاكرة.
ولا يعني هذا أن كربلاء وغزة تاريخ واحد، فلكل قضية خصوصيتها؛ لكنهما تلتقيان في سؤال إنساني مشترك: كيف يحافظ المظلوم على كرامته عندما يختل ميزان القوة؟
ولهذا تحضر فلسطين بقوة في الوجدان الشعبي للأربعين، فتتحول المسيرة إلى مساحة تضامن عابرة للحدود، وتصبح غزة جزءاً من خطاب أخلاقي يرى أن الظلم لا يفقد إنسانيته لأنه حدث بعيداً عن حدود الوطن.
من كربلاء إلى العالم
الأربعين ليست شأناً عراقياً محلياً فقط؛ فهي ظاهرة عابرة للحدود، تتداخل فيها الثقافة والدين والمجتمع والهوية.
ومن طهران إلى بغداد، ومن العراق إلى لبنان واليمن وفلسطين، أصبحت كربلاء جزءاً من لغة سياسية وثقافية تستحضر مفاهيم الكرامة والصمود ورفض الهيمنة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم ما يسمى «وحدة الساحات» بوصفه ظاهرة إقليمية تتداخل فيها الجغرافيا والأمن والهوية والقضية الفلسطينية، وإن كانت لكل ساحة ظروفها وحساباتها الخاصة.
لكن قوة كربلاء هنا ليست في تحويلها إلى شعار عسكري، بل في قدرتها على إنتاج معنى مشترك يتجاوز الحدود السياسية.
الأربعين والحرب على الرواية
في عصر أصبحت فيه الصورة جزءاً من الصراع، تمتلك الأربعين قوة أخرى: قدرتها على صناعة الرواية من داخل المجتمع نفسه.
ملايين البشر لا ينتظرون مؤسسة إعلامية كي تخبرهم ماذا يفعلون أو ماذا يشعرون؛ إنهم يصنعون صورهم وشهاداتهم وذكرياتهم بأنفسهم.
وهنا تظهر الأربعين بوصفها قوة ناعمة وسردية، لا بمعنى الإكراه، بل بمعنى القدرة على التأثير في الوعي من خلال الثقافة والرمز والهوية.
فالهيمنة لا تبدأ دائماً باحتلال الأرض؛ قد تبدأ باحتكار الرواية.

ماذا تقول الملايين؟
إلى المظلوم: لست وحدك.
إلى المستكبر: القوة لا تمنحك الحق دائماً.
إلى فلسطين: أنت حاضرة في الذاكرة والوجدان.
إلى العالم: نحن لسنا مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
وإلى الأجيال القادمة: لا تجعلوا الخوف بديلاً عن الكرامة.
الخاتمة: الأربعين ليست نهاية الطريق
حين يعود الزائر من كربلاء، تنتهي الرحلة الجغرافية، لكن الرحلة الحقيقية تبدأ.
فإذا بقيت الضأربعين مجرد مسافة قطعناها، انتهت بانتهاء الطريق؛ أما إذا تحولت إلى عدالة في السلوك، وكرامة في الموقف، ورحمة بالضعيف، ورفض للظلم، وخدمة للإنسان، فإنها تكون قد حققت معناها الأعمق.
لهذا تمشي الملايين نحو الحسين كل عام؛ ليس لأنها تبحث عن الماضي، بل لأنها تبحث عن معنى تستطيع أن تحمله إلى المستقبل.
فكربلاء ليست مدينة نذهب إليها فقط؛ إنها قيمة نعود بها إلى العالم.
و«لبيك يا حسين» ليست كلمة تُقال في الطريق فحسب؛ إنها سؤال يرافق الإنسان بعد عودته: ماذا فعلتَ أنتَ حين رأيتَ الظلم؟

شاهد أيضاً

الردع الأمريكي تحت الحصار… إيران تصمد، واليمن يخنق البحر، والإقليم يقترب من لحظة الانفجار

الردع الأمريكي تحت الحصار… إيران تصمد، واليمن يخنق البحر، والإقليم يقترب من لحظة الانفجار الإعلامية …

الاشترك بخدمة الخبر العاجل