الرئيسية / مقالات خاصة / اليمن.. مهد الحضارة وأصل الحكاية؛ حين كان التاريخ يُكتب من أرض اليمن

اليمن.. مهد الحضارة وأصل الحكاية؛ حين كان التاريخ يُكتب من أرض اليمن

اليمن.. مهد الحضارة وأصل الحكاية؛ حين كان التاريخ يُكتب من أرض اليمن.

الإعلامية جمانة كرم عياد.

لا تبحث عن اليمن في خرائط اليوم، بل ابحث عنها في أول سطر كتبه التاريخ.

اليمن ليست مجرد بلد يقع في جنوب الجزيرة العربية؛ إنها أصل الجزيرة، وجذور العرب، وبداية الحكاية.

من سام بن نوح إلى جذور العرب العاربة

عندما انحسر طوفان نوح عليه السلام عن الأرض، نزل سام بن نوح إلى جنوب الجزيرة، وبنى أول مدينة بعد الطوفان، فسماها «مدينة سام»، وهي صنعاء اليوم. ومن نسله جاء قحطان بن هود، أبو العرب العاربة، ومنه خرجت قبائل جرهم وحمير وكهلان ومذحج وحضرموت وهمدان وكندة، وهي قبائل يمنية انطلقت منها هجرات نحو شمال الجزيرة العربية.

ولهذا يقول المؤرخون: «من كان عربياً فأصله يمني، ومن لم يكن أصله يمني فليس بعربي».

لماذا أطلق الإغريق والرومان عليها اسم «العربية السعيدة»؟

في الوقت الذي كان فيه العالم يعيش في أكواخ من الطين، كان اليمني يشيد ناطحات السحاب الحجرية في شبام حضرموت، التي عُرفت بأبراجها الشاهقة، بعضها يتكون من ثمانية طوابق مزخرفة.

أطلق الإغريق والرومان عليها اسم «العربية السعيدة»، لأسباب جعلتها من أغنى مناطق العالم القديم:

أولاً: ثروات طبيعية لا تنضب.

كانت جبالها تنتج الذهب والفضة والحديد، وأوديتها تزخر باللبان والمر والبخور والصمغ العربي. وكان اللبان اليمني من أثمن السلع التجارية، حتى ارتبط استخدامه بالطقوس الدينية في معابد روما وأثينا والقدس وفارس.

ثانياً: السيطرة على طرق التجارة العالمية.

كانت اليمن تتحكم في موقع استراتيجي يربط مضيق باب المندب وبحر العرب وخليج عدن، وتمسك بمفاتيح طرق التجارة البحرية والبرية. وكانت تجارة الهند والصين وشرق أفريقيا تمر عبر شبكاتها التجارية، وعُرف أحد أشهر طرقها باسم طريق اللبان المقدس.

ثالثاً: دلالة اليُمن والبركة.

ارتبط اسم اليمن باليُمن والبركة والخير، وقيل إنها سُمّيت بذلك لوقوعها إلى يمين الكعبة. وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الإيمان يمان والحكمة يمانية»، وقوله: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً».

خمس ممالك يمنية صنعت مجد الحضارة القديمة

لم تكن اليمن حضارة واحدة، بل تعاقبت على أرضها ممالك عظيمة امتد نفوذها عبر قرون طويلة، وأسهمت في تشكيل التاريخ السياسي والاقتصادي والحضاري للمنطقة:

1- مملكة سبأ العظيمة (1200 ق.م – 275 م)

عاصمتها مأرب وصرواح، وهي المملكة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة كاملة. إنها مملكة بلقيس التي قال عنها الهدهد لنبي الله سليمان عليه السلام: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.

ملكة ارتبط اسمها بالحكمة والملك والثراء، وكان عرشها آية في الفن والجمال.

2- مملكة معين (1300 ق.م – 630 ق.م)

عاصمتها قرناو في الجوف، واشتهرت بالتجارة وتنظيم القوافل والأسواق. لم يقتصر نشاط المعينيين على التجارة داخل اليمن، بل أنشؤوا محطات ومستعمرات تجارية في ديدان (العلا) ونجران وغزة ومصر والجزر اليونانية. وبرزوا في تطوير أساليب الوكالات التجارية والتعاملات المالية.

3- مملكة قتبان (1000 ق.م – 150 م)

عاصمتها تمنع في بيحان، واشتهرت بالتنظيم القانوني والتشريعي. وقد تركت نقوشاً تُعرف باسم «قوانين السوق»، تناولت تنظيم البيع والشراء والضرائب وحقوق المزارعين، وتُعد شاهداً على تطور الحياة الاقتصادية والقانونية في اليمن القديم.

4- مملكة حضرموت (1000 ق.م – 290 م)

عاصمتها شبوة، واشتهرت بالبحار وتجارة اللبان. سيطرت على وادي حضرموت وامتد نفوذها التجاري إلى ظفار، موطن شجرة اللبان، وارتبط نشاطها البحري بالتجارة مع الهند والسند وشرق أفريقيا.

5- مملكة حمير – التبابعة (115 ق.م – 525 م)

عاصمتها ظفار يريم، وهي المملكة التي وحدت اليمن ووسعت نفوذها في الجزيرة العربية. ومن أشهر ملوكها ذو القرنين وشمر يهرعش وأسعد الكامل وذو نواس.

وكان الملك الحميري يُلقب بـ«ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابهم في الجبال والتهائم»، وهو لقب يعكس اتساع نفوذ المملكة ومكانتها السياسية.

معجزات هندسية ومعرفية سبقت عصرها

أولاً: سد مأرب.. عبقرية هندسية خالدة.

لا تنظر إلى سد مأرب باعتباره مجرد منشأة لتجميع المياه؛ فهو شاهد على عبقرية اليمنيين في هندسة الري وإدارة الموارد المائية. بلغ طوله نحو 700 متر، وعرضه 60 متراً، وارتفاعه 16 متراً، وشُيّد باستخدام الحجارة المنحوتة وتقنيات البناء القديمة.

وكان السد شريان الحياة الذي يروي جنات اليمن، التي وصفها القرآن الكريم بقوله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.

وعندما انهار السد بسبب سيل العرم، تفرّق اليمنيون في أنحاء الأرض، حتى أصبح المثل العربي الخالد يقول: «تفرّقوا أيدي سبأ».

ثانياً: خط المسند.. ذاكرة اليمن المكتوبة.
يُعد خط المسند من أبرز الشواهد على التطور المعرفي والكتابي في الحضارة اليمنية القديمة. وتنتشر آلاف النقوش المسندية في مأرب والجوف وشبوة وصعدة، لتروي تاريخ الممالك والملوك والتجارة والحياة الاجتماعية والدينية.

وقد مثّل هذا الخط إنجازاً حضارياً مهماً في تاريخ الكتابة الإنسانية، وشاهداً على عمق التجربة المعرفية اليمنية.

ثالثاً: القلاع والقصور.. شواهد العظمة المعمارية.
تتجلى عظمة العمارة اليمنية القديمة في قصر غمدان بصنعاء، الذي وصفه الهمداني بأنه يتكون من عشرين طابقاً، وكان سقفه من الرخام الشفاف، إلى جانب قصر سلحين في مأرب، وقصر ريدان في ظفار، وقلعة صيرة، وقلعة القاهرة.
إنها شواهد معمارية تختزل تاريخاً من الإبداع الهندسي والفني، وتؤكد أن اليمن عرفت فنون البناء والتشييد منذ عصور سحيقة.

اليمن.. تاريخ لا ينحني ومستقبل لا يُصادر

يا سادة، اليمن اليوم لا تحتاج إلى من يشفق عليها، بل تحتاج إلى من يتذكر من تكون.
إن شعباً بنى السدود، ونقش الحروف، وشيد القصور، وأقام المدن الشاهقة، وأسّس طرق التجارة العالمية، يمتلك من الإرث الحضاري والإنساني ما يؤهله للنهوض واستعادة مكانته.
اليمن ليست فقيرة؛ إنها جنة مسروقة، وتاريخ منسي، وأصل حضاري ضاع بين صفحات النسيان.
اليمن لا تحتاج إلى من يكتشفها؛ فهي أرض اكتشفت آفاق الحضارة، وأسهمت في صناعة التاريخ، وعلّمت العالم كيف تُبنى الأمم وتُصنع أمجادها.

شاهد أيضاً

واشنطن تحشد لجولة ضد إيران.. و50 مليار دولار فاتورة المواجهة

واشنطن تحشد لجولة ضد إيران.. و50 مليار دولار فاتورة المواجهة الإعلامية جمانة كرم عياد الأربعاء …

الاشترك بخدمة الخبر العاجل