الرئيسية / إقليمي دولي / النفط الفسطيني بين الاهمال والنهب

النفط الفسطيني بين الاهمال والنهب

تقع فلسطين، جيولوجياً، في العصر ما قبل الكمبري للدرع العربي في الجنوب الشرقي والطية المقعرة الإقليمية لشرقي البحر الأبيض المتوسط في الغرب. ويمتد فيها الحزام الالتوائي للشرق الأدنى، المتمثل في سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية، على شكل سلاسل من الطيات المحدبة والمقعرة غير المتناظرة، والتي أخذت شكلها النهائي أواخر العصر الأوليجوسيني بعد ارتفاعها وتقطع جوانبها بفوالق متقاطعة في عصرين رئيسيين هما: أوائل العصر المايوسيني، وأوائل العصر البلايستوسيني. وقد تكونت من هذين العصرين مجموعتان من الانخفاضات الانهزامية ممتدتان من الشمال إلى الجنوب: الأولى في الغرب ومغطاة بالبحر الأبيض المتوسط، والثانية في الشرق وتكون منها منخفض وادي الأردن – البحر الميت – وادي عربة. وبناء على التراكيب الجيولوجية المتباينة في البلد، فقد تم تقسيمه إلى عدة مناطق جيولوجية متطابقة إلى حد كبير، في مواقعها، مع حدود التضاريس الطبيعية. وهي كما يلي: منخفض البحر الميت – وادي عربة؛ صحراء النقب؛ منطقة سفوح التلال؛ السهل الساحلي؛ جبل الكرمل؛ مرج ابن عامر؛ وادي الأردن الأعلى – الغور؛ مرتفعات الجليل.
المحاولات الأولى لاستكشاف النفط الفلسطيني
تم حيازة أول امتياز للتنقيب عن النفط في فلسطين في آذار/مارس 1914، عندما حصل كل من اسماعيل حقي الحسيني وسليمان ناصيف وشارل أيوب على رخص للتنقيب من الحكومة العثمانية. وتم بيع هذه الامتيازات بعد شهرين من الحصول عليها إلى شركة ستاندرد أويل أوف نيويورك، التي قامت بدورها بشراء 11 رخصة تنقيب بصورة مباشرة من الحكومة العثمانية في المناطق المجاورة لبئر السبع. غير أن نشوب الحرب العالمية الأولى، خلال تلك السنة، أدى إلى تعطيل عمليات المسح والاستكشاف.
وبعد احتلال بريطانيا لفلسطين سنة 1918، ومع بداية الصراع الدولي الكبير بين الشركات الأميركية والبريطانية في شأن بترول الشرق الأوسط، رفضت سلطات الانتداب الموافقة على عودة شركة ستاندرد أويل أوف نيويورك إلى العمل. ولم ينته هذا الصراع بين المصالح الأميركية والبريطانية إلا في تموز/يوليو 1928، عندما حصلت الشركات الأميركية من خلال اتفاقية الخط الأحمر على حصة في شركة البترول التركية التي أصبحت تسمى بعدئذ شركة نفط العراق، والتي تكونت من: شركة البترول الأنغلو – إيرانية، ومجموعة رويال دتش – شل، وشركة البترول الفرنسية، ومجموعة الشركات الأميركية الممثلة في شركتي ستاندرد أويل أوف نيوجرسي وسوكوني موبيل (وحصلت كل مجموعة على نسبة 23,75% من حصص الأسهم)، بينما حصل غولنبنكيان على 5%.
بموجب هذه الاتفاقية، تم تقسيم الشرق الأوسط بحيث تقوم الشركات هذه مجتمعة، ومن خلال شركة نفط العراق فقط، بالحصول على امتيازات تنقيب في المناطق خارج الكويت ومصر. أو بمعنى آخر، لم يكن يحق لأية من الشركات أعلاه العمل بصورة منفردة في باقي المناطق العربية. ويصف الخبير النفطي العربي الدكتور عاطف سليمان هذه التجربة بأنها “كانت أول محاولة لاحتكار البترول العربي ومنع المنافسة الحرة بين الشركات عند الحصول على الامتيازات من أن تأخذ مجراها، ومواجهة الحكومة صفاً واحداً.”
قامت شركة نفط العراق بفتح مكتب جيولوجي لها في القدس سنة 1932، من خلال تأسيس شركة فرعية لها تدعى شركة التنمية النفطية لفلسطين. ونتيجة أعمال التنقيب والدراسات الجيولوجية سنة 1933، طلبت هذه الشركة مناطق امتياز جديدة بالإضافة إلى المناطق القديمة التابعة لستاندرد أويل. ثم حصلت على 29 رخصة تنقيب جديدة سنة 1939:
-11 منها في شباط/فبراير لمساحة 5000 كلم2.
-18 منها في تموز/يوليو لمساحة 13,645 كلم2.
وبدأت فعلاً المسوحات لتحديد مواقع العمليات، إلا أن نشوب الحرب العالمية الثانية أوقف عمليات الحفر كافة.
سنة 1946، واعتماداً على المسوحات السابقة، بدأت هذه الشركة الحفر في منطقة حليقات على بعد 8 أميال إلى الشمال من غزة. وبلغ عمق أول بئر حفرت هناك في شباط/فبراير 1948. كما حفرت الشركة أيضاً بالقرب من قرية كرنب على بعد 50 ميلاً إلى الجنوب الشرقي من غزة، غير أن العمل توقف هنا أيضاً بسبب الأعمال الحربية.
في سنة 1924، خلال عهد الانتداب، تأسست أيضاً مؤسسة التعدين الفلسطينية المحدودة، وكذلك شركة تابعة لرجل الأعمال البترولي د. أ. سترلاند. وحصلت كل من الشركتين، سنة 1933، على رخصة للتنقيب عن النفط في جوار البحر الميت. وقامت الشركتان بتحويل رخصتيهما إلى شركة الاستكشاف الأردنية المسجلة في فلسطين، والمالكة لمشروع البوتاس الفلسطيني. واقتصرت الأعمال البترولية لهذه الشركة على حفر بسيط بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنها توقفت عن هذا العمل نتيجة حرب 1948.
تعثرت أعمال الاستكشاف والتنقيب في فلسطين، خلال فترة الانتداب، نتيجة الصراع السياسي والعسكري الذي كان قائماً بين العرب والحركة الصهيونية، والذي لم يشجع الشركات على العمل هناك، وخصوصاً أن مناطق أخرى في الشرق الأوسط كانت، بصورة نسبية، أكثر هدوءاًـ، وبدأت تعطي نتائج إيجابية على صعيد البترول؛ كما تعثرت هذه الأعمال نتيجة نشوب كل من الحرب العالمية الثانية وحرب 1948. وبقي النشاط البترولي في فلسطين مقصوراً على شركات محدودة، على الرغم من القانون البترولي الذي أصدرته سلطات الانتداب في 7 تموز/ يوليو 1938، والذي منح الشركات التي تكتشف النفط بكميات تجارية حق امتياز يشمل نصف مساحة رخصة التنقيب ولمدة ثلاثين عاماً، على أن تدفع الشركة إيجاراً عن أراضي الامتياز بالإضافة إلى ريع يتراوح بين 2,5 شلن و6 شلنات عن الطن الواحد من البترول المنتج، وذلك بحسب الكمية المنتجة.
المحاولات الاسرائيلية الأولى (التفاؤل المفرط)
برز الاهتمام الاسرائيلي الواضح في التنقيب عن النفط منذ أوائل الخمسينات؛ استناداً إلى العديد من الدراسات الجيولوجية الواعدة التي قامت بها بعثات تنقيب، بتكليف من الوكالة اليهودية منذ العام 1923 وحتى نهاية الأربعينات في القرن الماضي – والتي أعطت توقعات بوجود كميات واعدة من النفط تحت التراب وفي بحر فلسطين واستناداً إلى دراسات قديمة خلصت إلى أن في فلسطين 23 منطقة يمكن أن تحتوي على النفط.
تم سن قانون البترول لسنة 1952 لتشجيع الشركات المحلية والمؤسسات الأجنبية على الاستثمار في القطاع النفطي. ولخدمة هذه الأغراض نفسها، تم تأسيس شركة نفط وطنية سنة 1958، وشركات متفرعة منها في مجالات الاستكشاف والحفر والاستثمار والأبحاث والخدمات والتوزيع والتخزين. كما تم تخصيص موارد سنوية ضخمة للتنقيب عن النفط، مقتطعة من ميزانية الدولة. هذا، بالإضافة إلى التعاون مع شركات نفطية ومالية خاصة (يهودية في معظمها) من الولايات المتحدة وكندا، للاستثمار في عمليات الاستكشاف والإنتاج. لكن ضحالة المعلومات الجيولوجية والجيوفيزيائية، بالإضافة إلى عدم وجود الأدوات السيزمية المتقدمة حتى أوائل الثمانينات، وتنفيذ أغلبية أعمال الحفر في أعماق ضحلة ومحدودة، أبقى أغلبية المناطق غير مستكشفة حتى منتصف تسعينات القرن الماضي.
بذلت سلطات الاحتلال في الكيان المؤقت بفعل الامر الواقع جهوداً مكثفة في الاستكشاف والتنقيب عن البترول، وحفرت خلال العقود الخمسة الماضية نحو 383 بئراً في جغرافية فلسطين المحتلة (باستثناء سيناء التي احتلتها على دفعات بيت عامي 1956 و1980)، كما أنفقت نصف مليار دولار تقريباً من أجل العثور على النفط والغاز.
لكن محاولاتها هذه كما أسلفنا أتت بنتائج متواضعة إذ أنها لم تؤد الغرض المنشود منها، وهو تأمين الاكتفاء الذاتي من النفط الخام للاقتصاد المحلي إلا أن ذلك كله تغير بعد توقيع الاتفاقيات مع السلطة الفلسطينية عام 1993 اذ تحرر الكيان المؤقت من قيود الجغرافيا التي كانت تقيده ومن تمنع الشركات النفطية الكبرى عن العمل في مجال التنقيب والاستكشاف. حيث أن شركات البترول العالمية كانت تتفادى التعامل المباشر معه خوفاً من ردات الفعل العربية السلبية، وإمكان تنفيذ قوانين المقاطعة.
لم يقتصر مفهوم السلام الاقتصادي الذي حاولت الإدارة الأمريكية جهدها تعزيز مفهومه في الصراع العربي الإسرائيلي على السلام بين الاحتلال والفلسطينيين بشكلٍ خاص، بل أخذ يتمثل في أشكال مختلفة، بدأت بذورها مع رعاية الولايات المتحدة لاتفاقيات السلام كامب ديفيد بين مصر و”إسرائيل” عام 1978، ولحقتها اتفاقية وادي عربة بين الأردن و”إسرائيل” عام 1994.
ومع أول اتفاقية تطبيع بين الاحتلال والدول العربية، وحتى بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية في اتفاقية أوسلو عام 1993، بدأت البوصلة بالانحراف شيئًا فشيئًا عن كيفية إنهاء الاحتلال ووجوده على أرض فلسطين، إلى كيفية التعايش معه سياسيًّا وبشكل أكبر اقتصاديًّا الذي أصبح وكأنه قدر الفلسطينيين.
فحين بدأ يلوح فشل مسار المفوضات الفلسطينية الإسرائيلية في عهد الرئيس باراك أوباما، روّج الرئيس الأمريكي بشكل شخصي حينها لمقترح التنمية الاقتصادية الذي استكمله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خلال مقترح “صفقة القرن”، وزياراته إلى الدول العربية قبل أن تفضي إلى توقيع اتفاقيات التطبيع في الألفية الثانية: الإمارات، البحرين، السودان والمغرب.
في الوقت الذي كان الكيان المؤقت فيه ينقّب عن الغاز الطبيعي، حتى اكتشف عام 2010 حقل ليفياثان للغاز غرب مدينة حيفا المحتلة. وقد مهد هذا الاكتشاف للاحتلال الطريق لمدّ جسوره القادمة مع العالم، حين صرّح رئيس وزراء الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو بأن إنتاج الغاز من حقل ليفياثان “سيزوّد إسرائيل بالغاز، ويعزز التعاون مع دول المنطقة”، ونستطيع الآن ببساطة أن نفهم معنى عبارة “تعزيز التعاون” حين نعلم أن الاحتلال تحوّل خلال 12 سنة من مستورد للغاز الطبيعي من الدول الإقليمية، إلى لاعب فاعل في تصدير الغاز عالميًّا.
سرقة النفط الفلسطيني بعد “أوسلو”
حدد بروتوكول العلاقات الاقتصادية أو بروتوكول باريس، (وهي اتفاقية إضافية ضمن اتفاقيات اوسلو) شكل العلاقات الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية والكيان المؤقت.
تم التوقيع على البروتوكول في باريس، في 29 أبريل 1994، وتم فيه تنظيم العلاقات المالية والنقدية والتجارية بين سلطات الاحتلال والسلطة الفلسطينية طوال فترة أوسلو المؤقتة (1994-1999). واستناداً إلى البروتوكول، احتفظ الكيان المؤقت بالسيطرة الكاملة على التجارة الفلسطينية وعلى جمع الضرائب. وكان الفرق بأن الضرائب والجبايات لن تستمر بالتدفق إلى خزينة العدو، بل تستلمها السلطة الفلسطينية. وبهذه الإيرادات يمكن تمويل جزء كبير من نفقات السلطة. وهذا ما أعطى إسرائيل أيضاً وسيلة إلزام قوية للسلطة الفلسطينية. وكان مجالاً استمرت إسرائيل من خلاله بالتحكم بكل شيء تقريباً وعلى رأسه القرار الاقتصادي المتعلق باستفادة الفلسطينيين من نفطهم.
ووفق اتفاقية باريس الاقتصادية، يتم استيراد الوقود المخصص للمناطق الفلسطينية من سلطات الاحتلال، ويباع بأسعار تعادل الأسعار التي يباع فيها داخل مناطق المناطق المحتلة عام 1948، وهي أثمان عالية جدا.
وقد بقي الغموض مسيطراً على قطاع النفط الفلسطيني وكيفية استثماره حتى حصل الفلسطينيون في اتفاقية طابا الموقعة في كانون ثاني 2001 على توضيح من سلطات الاحتلال حول هذا الملف الشائك إلا أن العدو لم يلتزم بهذا التفسير أبداً معتمداً على منطق الاحتلال وركون وسكوت السلطة الفلسطينية وذلك عندما دخل العدو في طفرة التنقيب والهيمنة على الحقول النفطية الفلسطينية براً وبحراً. وفيما يلي بعض ما ألزمت به سلطات العدو نفسها (في اتفاقية طابا) فيما يتعلق بالموارد الطبيعية الموجودة فوق وتحت تراب ومياه فلسطين المحتلة:
البند 15 أ- الولاية:
بمقتضى اعلان المبادئ فإن ولاية المجلس ستشمل الضفة الغربية وقطاع غزة كوحدة جغرافية واحدة باستثناء:
1-قضايا التي سيتم التفاوض عليها في مفاوضات الوضع النهائي: القدس، المستوطنات، المواقع الأمنية المحددة، اللاجئين الفلسطينيين، الحدود، العلاقات الدولية والإسرائيليين.
2-صلاحيات ومسؤوليات لم تنقل الى المجلس.
البند 14 منع الأعمال العدوانية (الفقرة 17)
ب- وعلى هذا فإن سلطة المجلس تضم جميع الامور التي تقع ضمن ولايتها الجغرافية أو الوظيفية أو الشخصية كما هو مبين ادناه:
1-الولاية الجغرافية للمجلس ستضم منطقة قطاع غزة ما عدا المستوطنات ومنطقة القواعد العسكرية المبينة على الخارطة 2 ومنطقة الضفة الغربية باستثناء المنطقة “ج” والتي باستثناء القضايا التي سيتم التفاوض عليها في مفاوضات الوضع النهائي، سيتم نقلها تدريجياً الى الولاية الفلسطينية في ثلاث مراحل، تأخذ كل منها فترة ستة أشهر تكتمل بعد 18 شهراً من تنصيب المجلس في هذا الوقت ستشمل ولاية المجلس مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة باستثناء القضايا التي سيتم التفاوض عليها في مفاوضات الوضع النهائي.
2-الولاية الجغرافية ستشمل الأرض، المياه التحتربية والاقليمية، بموجب احكام هذه الاتفاقية.
بدء مرحلة الاكتشافات النفطية الكبيرة
نفط بحر غزة:
كان سبق توقيع اتفاقية طابة بثلاثة أعوام أول اكتشاف يعتد به في مناطق السلطة الفلسطينية حيث أسفرت عمليات التنقيب التي قامت بها شركات بريطانية وفلسطينية باكتشاف حقل كبير للغاز الطبيعي قبالة سواحل غزة في عام 1998 (غزة مارين) الا انه لم يجري استخراج الغاز منه بعد.
ويحتوي الحقل على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي تكفي لسد احتياجات الضفة الغربية والقطاع لأكثر من 25 عاما، إضافة لإمكانية تصدير كميات منه، بحسب خبراء.
وينظر إلى حقل الغاز هذا منذ فترة طويلة على أنه فرصة ذهبية أمام الفلسطينيين الذين تعاني إدارتهم ومؤسساتهم الرسمية شحا في السيولة المالية للانضمام إلى المستفيدين من طفرة الغاز في البحر المتوسط، وهو ما يوفر مصدرا رئيسيا للدخل لتقليص الاعتماد على المساعدات الأجنبية. ويقع الحقل الفلسطيني على بعد 36 كيلومتراً غرب قطاع غزة، في مياه البحر المتوسط، على مساحة تفوق 1000 كيلومتر مربع، ما يعني أنه يحوي احتياطا كبيرا من الغاز.
وليس ببعيد عن (غزة مارين)، يقع حقل آخر أصغر حجما قدرت كميات الغاز فيه بحوالي 3 مليارات متر مكعب، لكن سياسة وضع اليد الإسرائيلية تجلت في استنزاف الحقل الحدودي الذي يقع في نطاق بحر غزة وسمي “مارين2” حيث استغل واستنفد تماما في عام 2012 من قبل الاحتلال.
تبلغ كمية الغاز الطبيعي الموجودة في حقل “غزة مارين” حوالي 33 مليار متر مكعب، ومن شأن هذه الكمية أن تسد احتياجات الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة 25 عاماً وفي حال تم تشغيل الحقل، فإن صافي أرباح الشعب الفلسطيني، من إنتاج الغاز وتصديره محلياً ودولياً سيبلغ نحو 150 مليون دولار سنوياً بحسب تقدير رسمي.
ويبدو أن سواحل غزة غنية بالغاز الطبيعي حيث أعلن عام 2014 عن اكتشاف حقل جديد لا يبعد سوى بضع مئات من الأمتار من سواحل غزة، وجرى اكتشاف الحقل بواسطة مجموعة من الصيادين الذين لاحظوا خروج فقاعات في منطقة لا تبعد عن ساحل المحافظة الوسطى سوى 300 متر، وبعد فحص عينات من الفقاعات من قبل خبراء في غزة تبين أنها غاز طبيعي.
منحت السلطة الفلسطينية الحق الحصري لصندوق الاستثمار الفلسطيني ومجموعة من الشركاء في التنقيب عن الغاز قرابة شواطئ غزة، وتضم المجموعة شركتي (BG- British Gas Group) واتحاد المقاولين (CCC)، وبموجب الاتفاق مع السلطة يملك صندوق الاستثمار الفلسطيني 10% (رفعت مؤخرا إلى 17.5%) من المشروع وتملك شركة (BG) ما نسبته 60%، في حين تملك شركة (CCC) ما نسبته 30%.
في المقابل عمل الكيان المؤقت على تخريب خطط الإنتاج في الحقل حيث عرقلت سلطات الاحتلال مد الأنابيب الخاصة بنقل الغاز، وكذلك بناء البنية التحتية لإيصال الغاز للمحطة؛ حيث تشترط نقله من خلال أنابيبها.
وفي خطة للسيطرة على الحقل، اشترطت حكومة العدو أن ينقل الغاز من الحقل إلى محطة تسييل الغاز في عسقلان، ليوزع من هناك إلى غزة والضفة، أو أي مكان آخر، إلا أن الشركة رفضت الخضوع للشروط “الإسرائيلية”.
وتعيق حكومة العدو حتى الآن أي تطوير أو أي محاولة لاستخراج الغاز من الحقل، كونها تحدد بموجب الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة مساحة ومدى الإبحار للفلسطينيين بـ 6 أميال بحرية فقط، فيما يقع الحقل على مسافة 23 ميلا تقريبا.
وتأتي هذا الخطوة الاسرائيلية رغم أن قانون البحار المعتمد دوليا يعطي الحق للدول بالاستثمار في مياهها الإقليمية التي حددت بـ 200 ميل بحري.
وبناء على ما سبق، فإن مجموعة “رويال داتش شل” الإنجليزية البريطانية التي واجهت أصعب عملية بيع في تاريخها لحقل “غزة مارين”، وجاهدت كثيراً لإيجاد مشترٍ لحقلها البحري للغاز قبالة ساحل قطاع غزة، حتى بين شركات الطاقة التي لها باع في التعامل مع المشروعات المحفوفة بمخاطر سياسية وأمنية، لكنها في النهاية وبسبب الخسائر اضطرت إلى بيع أصول لها في الحقل بلغت قيمتها نحو 25 مليار دولار وذلك بهدف خفض ديونها.
وأصبحت “شل” المساهم الرئيسي المشغل للحقل حينما استحوذت على حصة مجموعة “BG” البريطانية في الحقل عام 2016 مقابل 54 مليار دولار.
الاستثمار المتعطل في حقول غاز غزة كان من المفترض أن يحقق نهضة حقيقية في كافة مناحي الحياة في القطاع، من خلال تحقيق عوائد مالية ضخمة تساهم في حل الأزمات المالية التي يتعرض لها الفلسطينيون والتخلص من الابتزاز المالي الاسرائيلي والدولي المستمر والتحرر من الهيمنة “الإسرائيلية” على مصادر الطاقة في قطاع غزة والضفة الغربية.
أن استثمار الحقل سيساهم في حل مشكلة الكهرباء التي يعاني منها قطاع غزة، وذلك من خلال تشغيل محطة توليد الكهرباء على الغاز الفلسطيني مما سيؤدي إلى انخفاض ثمن الكهرباء، الأمر الذي ينعكس إيجابيا على كافة المواطنين وعلى كافة القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.
وتسعى إسرائيل وبكافة الطرق للسيطرة على كافة الموارد الفلسطينية بما فيها غاز غزة من أجل فرض سيطرتها وهيمنتها على القرارات الفلسطينية وعدم وصول الفلسطينيين إلى مشاريع تنموية تحررهم من التبعية الاقتصادية والمالية لإسرائيل، الأمر الذي جعلهم يستوردون ما نسبته 95% من الطاقة (كهرباء ووقود وغاز منزلي) من “إسرائيل”، بمتوسط فاتورة سنوية تتجاوز 1.4 مليار دولار.
إسرائيل وحقل غزة مارين
منذ اكتشاف حقل مارين للغاز وحتى الآن، حالت السياسات والتدخلات الإسرائيلية، من قيام الفلسطينيين باستخراج الغاز من باطن الحقل والاستفادة من موارده، وهو ما يشير إلى سعي الاحتلال نحو تبعية فلسطين لها في مجال الطاقة وعدم استقلالها.
وبعد اكتشاف حقل غزة مارين مباشرة، بدأت المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وشركة بي جي البريطانية طرفًا، وحكومة العدو طرفًا آخر، للتنسيق بينهما في إطار اتفاقية أوسلو التي تعطي الحق للفلسطينيين في استخراج الثروات من الأراضي التابعة لهم، ولكنها في الوقت نفسه تمنح الاحتلال الحق في منع حركة الملاحة لأيّ أسباب أمنية.
وتضمنت المفاوضات تأمينَ المشترين للغاز الفلسطيني، الذي سيُستخرج من حقل غزة مارين، وبحكم أن “إسرائيل” في ذاك الوقت كانت ما تزال مستوردًا لمصادر الطاقة، ولم تتوصل إلى أيّ اكتشافات في الأراضي المحتلة، فكانت هي المرشح الأول للحصول على ذلك الغاز، وهي الرغبة التي أبدتها شركة إنتاج وتوزيع الكهرباء الإسرائيلية.
ورغم ذلك، ظل الاحتلال عائقًا أمام تطوير حقل غزة مارين بذرائع أمنية، فمع تصاعد أحداث انتفاضة الأقصى عام 2000، رفض رئيس وزراء “إسرائيل”، أرئيل شارون -حينذاك- شراء غاز حقل غزة مارين، ثم حدثت تدخلات أميركية، ولكنها في نهاية الأمر آلت بالفشل بحجّة إسرائيلية، مفادها: منع تمويل الإرهاب.
وفي عام 2006، ومع تولّي حكومة جديدة برئاسة إيهود أولمرت، استؤنفت المفاوضات مرة أخرى بينها وبين شركة بي جي البريطانية -مكتشفة الحقل-، لكن “تل أبيب” وضعت شرطًا بخصوص مرور خط أنابيب نقل غاز الحقل إليها يجعلها تتحكم في إمدادات الغاز لقطاع غزة، وهو ما رُفِض من قبل الشركة البريطانية.
والشرط الذي قوبل بالرفض، تضمَّن وصول الغاز المستخرج من حقل غزة مارين عبر الأنابيب إلى مدينة عسقلان أولًا، وبعدها إلى غزة، وهو ما يعني أن إسرائيل تريد التحكم في كميات الغاز الذاهبة لقطاع غزة، وتستقطع منه الكمية التي تريدها.
ومنذ ذلك الوقت، توقّفت أيّ مفاوضات جدّية بشأن حقل غزة البحري، وما زاد الأمر تعقيدًا على الاحتلال، فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية وقيامها بإدارة قطاع غزة، إلا أن اكتشاف إسرائيل لحقلي الغاز “تامار” و”ليفياثان” باحتياطيات ضخمة عامي 2009 و2010، زاد من تعنّتها بشأن مفاوضات ” حقل غزة “، خصوصًا مع تحوّلها من دولة مستوردة لذلك الوقود الأحفوري إلى مصدّرة له.
خروج شل من الحقل
في عام 2015، استحوذت شركة شل العالمية على شركة “بي جي” ذراع التنقيب لشركة بريتيش غاز، في صفقة وُصفت وقتها بأنها الأكبر في قطاع الطاقة منذ عقود.
وبذلك أصبحت شل هي صاحبة حق تطوير حقل غزة مارين للغاز بحصّة 55%، ولكنها اختارت الخروج منه؛ بسبب صعوبة تطوير الحقل والاستفادة من موارده.
وبالفعل في أبريل/نيسان 2018، توصَّل صندوق الاستثمار الفلسطيني إلى اتفاق مع شركة شل العالمية يقضي بخروجها من تطوير الحقل غزة البحري.
وبعد خروج “شل” من الحقل، قامت السلطة الفلسطينية بتكوين تحالف جديد، وبحصص جديدة، يتكون من صندوق الاستثمار الفلسطيني وشركة اتحاد المقاولين بنسبة 27.5% لكل منهما، مع تخصيص 45% لشركة تطوير أخرى.
وظلت بعدها حالة من عدم الوضوح بشأن تطوير حقل غزة مارين، حتى عاد الحديث عنه من جديد، بعد تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط للغاز في نهاية 2019 يضم 7 دول أعضاء، هي: مصر، الأردن، فلسطين، اليونان، إيطاليا، “اسرائيل وقبرص.
اكتشافات واعدة للنفط في الضفة الغربية:
تم اكتشاف حقل بترول في رنتيس (غرب رام الله) ولكن حكومة العدو وضعت يدها على هذا الحقل وتقوم حتى اليوم باستغلاله وتضخ منه 800 برميل يوميًا، بعيدًا عن الحقوق الفلسطينية في ذلك البترول، وقد سهل ذلك وقوع المنطقة قرب خط الهدنة لعام 1948 وقد بدأ الكيان المؤقت البيع من هذا الحقل النفطي الذي اطلق عليه اسم  مجد5 ما بين عامي 2010 و2011.
ووفق معطيات سابقة لسلطة البيئة الفلسطينية فإن شركة جفعوت عولام الإسرائيلية بدأت الحفر الاستكشافي في حوض “مجد” على أراضي رنتيس عام 1994، وذلك من خلال الآبار “مجد2″ و”مجد3” و”مجد4″، فدلت المؤشرات على وجود نفط بكميات تجارية إلى الشرق من تلك المواقع.
ووفق المصدر ذاته فإن المناطق الغنية بالنفط في معظمها تقع شرق الخط الأخضر (أي في مناطق سيادة السلطة الفلسطينية) بعرض عشرة كيلومترات وامتداد عشرين كيلومترا، وهو ما يعني أن معظم الحقل النفطي يقع في أراضي الضفة الغربية.
ويبلغ حجم الاحتياطي النفطي من بئر البترول المكتشف بمليار ونصف المليار برميل و182 مليار قدم مكعب من الغاز تقدر قيمتهما الإجمالية بأكثر من 155 مليار دولار.
معظم هذا الحقل البترولي يتواجد تحت الارض الفلسطينية المحتلة عام 1967 لذلك كثف الجانب الإسرائيلي من نشاطه في البحث عن البترول على طول الخط الاخضر بين قلقيلية ورام الله.
وكشفت المعلومات المتوفرة لدى الجانب الفلسطيني عن عمليات التنقيب في ذلك الحقل النفطي الذي تسرقه إسرائيل، أن مخزون النفط يشكل طبقة سمكها نحو 600م، ويقع في عمق يتراوح بين 4200 و4800م في الأرض، وشرعت إسرائيل في حفر سادس بئر للتنقيب عن النفط خلف جدار الفصل الإسرائيلي على أراضي بلدة رنتيس.
وهناك خطة إسرائيلية لحفر أربعين بئرًا، منها 26 بئرًا لاستخراج النفط والغاز معًا، والبقية لاستخراج النفط فقط، ويوجد مخططات وخرائط تظهر مواقع هذه الآبار وامتداد الحقل الفعلي إلى أراضي الضفة كما تؤكد دراسات دولية.
لذلك يسعى الفلسطينيون للتحرك في كل الاتجاهات لنزع حقهم في الثروة الطبيعية وعدم تركه فريسة للاحتلال، في الوقت الذي لا توجد فيه موانع قانونية تحول دون استغلال الفلسطينيين لثرواتهم الطبيعية، حيث أن “التنقيب عن الثروات حق لكل دولة وأمر سيادي لها”.
وليس من حق الاحتلال استغلال ثروات الأرض المحتلة، كما ليس من حقه منع الفلسطينيين تحت الاحتلال من استغلال ثرواتهم الطبيعية. حيث ان الاحتلال بحد ذاته انتهاك قانوني، وأي فعل يمنع الفلسطينيين من استغلال ثروتهم يكون انتهاكا آخر لقواعد القانون الدولي.
وفي ذات السياق اتفقت دولة فلسطين مع فنزويلا على شراء النفط منها بـسعر عادل، ضمن اتفاقية في مجال الطاقة وقع عليها وزيرا خارجية البلدين في العاصمة كراكاس.
وتشمل الاتفاقية هذه في مجال الطاقة أن تدرب حكومة كراكاس الفلسطينيين على طرق معالجة النفط وتوزيعه، وكذلك على تسهيل تسديد ثمنه.
وفي حال أبصرت الاتفاقية هذه النور، فإنها ستدر مبالغ كبيرة على الخزينة الفلسطينية، التي تعتمد في المناطق الخاضعة لها على الوقود المستورد من إسرائيل غالي الثمن.
وفقًا للقوانين والاتفاقيات الدولية من حق فلسطين استغلال مواردها الطبيعية، وأن الاحتلال لا يملك منعها قانونيًا، وعلى فلسطين المضي قدمًا في المشروع مهما كانت العقبات الإسرائيلية، مهما كانت السياسات الإسرائيلية التي تودي الى استمرار حالة النهب لثروات الفلسطينيين منذ 48 وحتى الآن.
ان مشروع التنقيب عن النفط سيُقدم موردًا جديدًا لتطوير الاقتصاد وبناء الصناعة وتوليد الكهرباء مما يُسهل على السلطة الوطنية الفلسطينية عملية التنمية وخلق فرص العمل في المستقبل بشكل أفضل.
اتفاقيات التطبيع ودهاليز النفط
الغاز المسروق
بداية هذا العام شاركت إسرائيل في مؤتمر لتطوير مشروع تصدير الغاز، الذي تسرقه من الأراضي الفلسطينية المحتلة، لدول عربية. وعقب انتهاء المؤتمر، أعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية، 16 شباط 2022 أن المزيد من إمدادات الغاز الطبيعي ستضخ إلى مصر عبر مسار جديد يمر عن طريق الأردن، في ظل تزايد الطلب المصري على الغاز.
وقالت وزيرة الطاقة إن غازا إسرائيليا سيصل إلى لبنان، بجانب ذلك المصدر إلى مصر والأردن.
وعلى الساحة الأردنية، وقعت عمان وتل أبيب “إعلان نوايا” برعاية إماراتية، 15 ديسمبر/كانون الأول 2021، لتنفيذ مشروع مشترك لتبادل الكهرباء والمياه.
كما وقعت الإمارات عقدًا لشراء حصة في حقل تمار للغاز الطبيعي الواقع تحت سيطرة دولة الاحتلال في شرق البحر المتوسط بمبلغ يصل إلى 1.1 مليار دولار، وهي أول صفقة تجارية كبيرة بين الإمارات وإسرائيل منذ تطبيع العلاقات بينهما.
وأبرمت شركة “نوبل” ومقرها الولايات المتحدة وشركة “ديليك” الإسرائيلية في ديسمبر 2019 صفقة بقيمة 15 مليار دولار مع شركة “دولفينوز” المصرية لمدة عشر سنوات لتزويد 64 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.
زادت الشركة خلال السنوات الماضية كمية الغاز المورد لمصر لتصل إلى 85 مليار متر مكعب من الغاز، بسعر حوالي 20 مليار دولار سنويا.
أما الأردن، فوقعت عام 2016، اتفاقية استيرادها الغاز من “إسرائيل” بنحو 45 مليار متر مكعب من الغاز، على مدار 15 عاما.
وستحول اتفاقات الطاقة العربية تلك إسرائيل، إلى دولة مصدرة للغاز، ومنحها أرباحًا ستبلغ في العقود الثلاثة القادمة 100-150 مليار دولار، وهو ما يشكل إنجازا إستراتيجيا لصالح إسرائيل وكنزًا اقتصاديًا لها.
شراء الغاز الفلسطيني
عودٌ على بدء، ووقوفًا مرة أخرى عند مفهوم السلام الاقتصادي، كان لاتفاقيات الغاز الموقعة عربيًّا مع الاحتلال الإسرائيلي دورٌ في تعزيز نفوذ الاحتلال في الوسط العربي، وتعزيز هيمنته الاقتصادية على اقتصادات الدول والشعوب الضعيفة، مستغلًّا تواطؤ أنظمتها.
ولم تكن الاتفاقيات فقط لتحقِّق الأرباح للاحتلال، بل كانت وكأنها مصممة لعزل وتجريد العرب من أي سلاح اقتصادي، كي يضحوا في محصلة الأمور تابعين اقتصاديين للاحتلال، من مبدأ “القوي اقتصاديًّا قوي سياسيًّا، والعكس صحيح”، فعملت إسرائيل على تعزيز قوتها السياسية والاقتصادية، وسلب الإقليم هاتين القوتين.
سعت المقاومة الفلسطينية في حربها الأخيرة مع الاحتلال في أيار 2021، لاستهداف حقول ومشاريع الغاز الإسرائيلية، وعلى رأسها منصة تمار النفطية، ومنشآت تخزين النفط على الساحل في عسقلان وأشدود، بالإضافة إلى موانئ ومرافق حيوية أخرى تخدم هذا القطاع على وجه الخصوص.
واضطرت حينها شركة شيفرون الأمريكية العملاقة إلى إغلاق المنصة البحرية الواقعة على بُعد 25 كيلومترًا شمال غرب قطاع غزة، ناهيك عن اضطرار دولة الاحتلال إلى تأجيل الجولة الرسمية الرابعة للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.
في وقت تمنع إسرائيل فيه الفلسطينيين من الاستفادة من الغاز الكامن في حقل غزة البحري، لتدفعهم إلى شراء غازهم المستخرج من أرضهم منها، يسارع العرب في خط تواقيعهم على اتفاقيات الغاز مع الاحتلال، ولربما نسوا أو تناسوا أو علموا بتخطيط مسبق أن الغاز الذي يُضَخّ في أنابيبهم بموجب اتفاقيات التطبيع ما هو إلا غاز فلسطيني أصيل، كان من الممكن أن تكون تكلفته أقل بكثير لو استثمروا قليلًا في الدفاع عن فلسطين، وقفوا بجانبها، واشتروا الغاز ذاته لاحقًا من الفلسطينيين أنفسهم.
تنال حقول الغاز في شرق المتوسط جلّ اهتمام حكومة الاحتلال خلال الفترة الحالية التي تهرول فيها لعقد اتفاقيات وإيجاد سبل لوصول غازها إلى أوروبا بأسرع وقت، فيما تحاذر بالوقت نفسه إغضاب الروس وإشعارهم بأن الغاز “الإسرائيلي” يقوّض ورقة قوتهم في وجه العقوبات الأميركية الأوروبية بعد أزمة حرب أوكرانيا.
ويتخذ التحرك “الإسرائيلي” في قضية الغاز عدة أبعاد إقليمية ودولية، إذ وقعت إسرائيل مع جمهورية مصر مؤخراً اتفاقية لنقل الغاز المستخرج من الحقول في البحر المتوسط قبالة فلسطين المحتلة إلى عدة دول أوروبية. وتنصّ الاتفاقية التي تم توقيعها في القاهرة على نقل الغاز الطبيعي من كيان الاحتلال إلى محطات الإسالة في مصر (إدكو ودمياط في الشمال)، ومن ثم يشحن شمالاً إلى السوق الأوروبية، ويمتد الاتفاق إلى 3 أعوام قابلة للتجديد تلقائياً لمدة عامين.
الاتفاقية الجديدة التي ستعمل على سدّ جزء من احتياج أوروبا عوضاً عن الغاز الروسي تتجاوز الحقوق الفلسطينية التاريخية، وينظر إليها فلسطينياً على أنها تجاوز من دولة عربية للمصالح الفلسطينية، عبر تقديم المصالح الذاتية على حساب القضية الفلسطينية، وانقلاباً في الصورة التي كان يجب أن تكون فيها الدول العربية سداً في وجه سرقة الاحتلال للغاز الفلسطيني.
وبدلاً من هذه الاتفاقية، كان الأولى نقل الغاز الفلسطيني الموجود في الحقلين قبالة قطاع غزة إلى مصر، ومن ثم إلى أوروبا، بما يزيد من العائدات المصرية والفلسطينية، بعيداً عن تدخل الاحتلال.
هذه الاتفاقية تسلط الضوء بشكل واضح على حقيقة سرقة إسرائيل للغاز الفلسطيني تاريخياً من ناحية، وما اعتبر حقاً للفلسطينيين بعد اتفاقية أوسلو والمكتشف قبالة سواحل قطاع غزة من ناحية أخرى، إذ تعوق حكومات الاحتلال أي استفادة من الحقلين المكتشفين قبالة غزة في العام 2008، وتشترط الاستفادة منهما بنقل الغاز الفلسطيني عبر محطة عسقلان، وتمنع بيع الفلسطينيين الغاز أو نقله عبر دولة أخرى، مثل جمهورية مصر التي تملك القدرة على استخراجه وتصديره لمصلحة الفلسطينيين.
لا يريد الاحتلال أن يكون للفلسطينيين موارد طبيعية تدرّ عليهم أموالاً بعيداً عن سيطرته، ويسعى لإبقاء الاقتصاد الفلسطيني تحت عباءته، ليمثل عامل إسناد فلسطيني لاقتصاده وسوقاً لبضائعه، ويعمل بشكل ممنهج على استمرار سياسته التي تقضي بأن تمرّ الأموال للسلطة الفلسطينية عبره، وهو ما يجعل الفلسطينيين رهينة ضغط العدو الاقتصادي، وهذا الأمر تكرار لمشكلة أموال المقاصة التي تجبيها “دولة” الاحتلال على بضائع الفلسطينيين بدلاً من السلطة الفلسطينية عبر المعابر والموانئ في الأراضي المحتلة، ومن ثم تنقلها إلى السلطة الفلسطينية كل شهر.
وينظر الاحتلال بعين الخطورة إلى امتلاك الفلسطينيين عائدات الغاز، لأنَّ هذا الأمر سيفقد حكومته أبرز ورقة ضغط تضبط بها سلوك الفلسطينيين وقيادتهم خلال السنوات الأخيرة، والمتمثلة بتقطير أموال المقاصة.
حتى هذا اليوم، تسرق “دولة” الاحتلال بشكل يومي كميات كبيرة من الغاز الفلسطيني في منطقة شرق المتوسط، في وقت يتواصل التكتم على حقيقة حجم الغاز المسروق ومقدار عائداته على الاحتلال، وتقدر العوائد التي يجب أن تكون لمصلحة الفلسطينيين من الغاز الموجود قبالة قطاع غزة وحدها على أقل تقدير بـ 4.5 مليار دولار سنوياً.
إنَّ اشتعال قضية الغاز عالمياً تمثل فرصة للفلسطينيين لإعادة طرح هذا الملف على الطاولة من جديد، عبر تسليط الضوء على عمليات السرقة الممنهجة للموارد الفلسطينية قبالة قطاع غزة، وأيضاً الموارد في فلسطين التاريخية، ما يحتّم على مختلف الأطراف الفلسطينية التحرك وإيجاد طريقة لمنع هذه السرقة.
وهنا، على الفلسطينيين اتخاذ عدد من الخطوات السياسية والدبلوماسية والقانونية بشكل عاجل، قبل أن يرى مشروع سرقة الغاز الفلسطيني النور، عبر سلسلة من الخطوات المهمة، وخصوصاً من قبل السلطة الفلسطينية التي يجب تدفع بملف الغاز إلى طاولة المباحثات مع الدول الكبرى وفي الأمم المتحدة، إضافةً إلى إجراء اتصالات وإرسال رسائل إلى الدول الأوروبية التي ستستفيد من الغاز الفلسطيني المسروق، تؤكّد فيها أنَّ هذا الغاز محلّ نزاع، وأنّ شراءه يمثل مشاركة في عملية سرقة كبرى.
المطلوب من الفلسطينيين حالياً طرح قضية الغاز على أنَّها محل خلاف مع الاحتلال، وأن الدخول على هذا الخطّ وشراء الغاز منه له أبعاد سياسية وقانونية خطرة، نظراً إلى أنهم أصحاب الحق.
هذا الملف يعد أحد العناوين التي أعلنت فصائل المقاومة موقفها الصريح منه ومن استعادته ومنع العدو من سرقته وما زالت الفصائل تناقشها وتدرس سبل التحرك فيها على المستوى الميداني والسياسي، وتعمل على بناء تنسيق عالٍ بخصوصها مع محور المقاومة. وتجد فصائل المقاومة الفلسطينية نفسها مضطرة إلى التحرك في وجه الاحتلال ومنع نقل الغاز بشتى الوسائل، إذ إنَّ تحركها في هذا الوقت يقلب قضية الغاز من فرصة ينتهزها الاحتلال إلى مشكلة أمنية جديدة في ساحة البحر.
يدرك الفلسطينيون أنَّ مشاريع الاحتلال بخصوص الغاز لها أبعاد خطرة على القضية الفلسطينية، إذ تستخدمه “دولة” الاحتلال ورقة ضغط لإسكات الدول الأوروبية تجاه الانتهاكات والجرائم بحق الفلسطينيين، وهو ما يمثل عامل قوة تستعيد فيه إسرائيل أوراقاً فقدتها في أوروبا خلال سلسلة جرائمها بحق الفلسطينيين خلال العقدين الأخيرين.
ويبدو أن رسائل فلسطينية وصلت إلى روسيا بأن “إسرائيل” في طريقها لاستغلال ورقة الضغط الروسية على أوروبا في ملفّ الغاز، إذ إنها تسعى خلال السنوات القليلة المقبلة لرفع إنتاجها من الغاز إلى ضعفين، ليبلغ نحو 40 مليار متر مكعب سنوياً، عبر توسعة مشروعات وبدء تشغيل حقول جديدة، علماً أنَّ الاتحاد الأوروبي استورد 155 مليار متر مكعب من الغاز من روسيا العام الماضي، أي ما يمثل 40% من استهلاكه.
في الجانب القانوني، وقّعت السلطة الفلسطينية في 31 كانون الأول/ديسمبر 2014 قراراً بالانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بقانون البحار، التي تتضمن اتفاقاً دولياً على أنَّ النزاع في القضايا البحرية يكون عبر المحكمة الدولية لقانون البحر (ITLOS). وهنا، على السلطة رفع قضية عاجلة ضد الاحتلال، تطالب فيها بمنع سرقة حقوقها من الغاز في البحر المتوسط. هذه الخطوة كفيلة بأن تضع الغاز الإسرائيلي محل خلاف ونزاع أمام دول العالم.
الحرب الروسية الأوكرانية.. الاحتلال ينفثُ غازه
مع نشوب الحرب بين أوكرانيا وروسيا في فبراير/ شباط 2022، قرر الاتحاد الأوروبي بضغط أمريكي التحرُّر من الطاقة الروسية التي تمثل نحو 40% من استهلاك الغاز لدول الاتحاد، وكانت الأعين تتّجه إلى إسرائيل، عرّابة اتفاقيات الغاز في الشرق الأوسط.
مؤخرًا، قالت “هيئة البث الإسرائيلية” إن وزيرة طاقة الاحتلال “الحرار”، أوعزت لموظفي وزارتها بتسريع الاستعدادات الاستراتيجية لإطلاق جولة عطاء رابعة (مناقصات) للتنقيب عن الغاز الطبيعي في البحر، قبل توقيع اتفاقية تصدير الاحتلال الإسرائيلي للغاز الفلسطيني المسروق إلى أوروبا من خلال الأراضي المصرية، في 15 حزيران 2022.
في مقابل ذلك، أعلنت “الحرار” توفير 100 مليون يورو للقاهرة لمواجهة أزمة الغذاء والأسعار، مؤكدة أن “لديها التزامًا قويًّا بالشراكة مع مصر”، إضافة إلى تخصيص “3 مليارات يورو لبرامج الزراعة والري”، فيما يبدو أنها مكافأة لمصر على توقيع اتفاقية تصدير الغاز.
استطاع الاحتلال اللعب على وتر الحرب الروسية الأوكرانية، لينفث الغاز الطبيعي الذي نقّب عنه في الأراضي الفلسطيني المحتلة، وليصعد تدريجيًّا ليكون أحد أهم الفاعلين في مجال الطاقة عالميًّا.
بمزيج من الحنق والقهر، يتابع الفلسطينيون الواقعون تحت نير الاحتلال، صفقة بيع غازهم المسروق للاتحاد الأوروبي عبر الجارة مصر، وذلك تحت مظلة ما يعرف بمنتدى غاز شرق المتوسط. هذه الصفقة تسمح بتصدير الغاز من فلسطين المحتلة إلى الاتحاد الأوروبي عبر مصر، لمدة 3 سنوات، قابلة للتجديد تلقائيا لمدة عامين، حسب ما أعلن.
وحسب تغريدة نشرها رئيس حكومة العدو السابق بينيت عبر صفحته الرسمية على تويتر، علَّق على الاتفاقية مع الاوروبيين بالقول: “في اتفاق تاريخي أول، ستتعاون إسرائيل مع مصر والاتحاد الأوروبي لتوفير الغاز الطبيعي لأوروبا، نحن فخورون بالمساهمة بأمن الطاقة حول العالم وتحقيق مستقبل أكثر استدامة”، مستغلا نفاق العالم وإدارته الظهر للقضية الفلسطينية، وتجاهل حقوق الفلسطينيين ومنها حقهم في مصادر الطاقة الطبيعية التي استولى عليها العدو بالقتل والتشريد والتدمير.
تشير التقديرات إلى أن احتياطيات فلسطين المحتلة من الغاز تبلغ تريليون متر  مكعب على الأقل، ومن المتوقع ألا يزيد إجمالي الاستخدام المحلي على مدى العقود الثلاثة المقبلة على 300 مليار متر مكعب، في حين يجاهد الفلسطيني لتوفير مبلغ (70 شيكل) لتعبئة أسطوانة الغاز بسعة 12 كيلو، في ظل حالة الفقر الشديدة التي يعيشها.
هذا الكنز الطبيعي، هو ملك لكل الفلسطينيين، ولا يحق للعدو بيعه أو الاستفادة منه، ولا ينبغي للعالم مجاراته في سرقته له، ومما يثير الحزن والأسى أن يُنقل الغاز الفلسطيني المسروق عبر خط أنابيب إلى محطات تسييل على ساحل البحر المتوسط في مصر، حيث يُعاد تصديره إلى دول أخرى كغاز طبيعي مسال.
ولا يخفى أن الاحتلال يعمل منذ سنوات، على أن يصبح مركزًا للطاقة في المنطقة من خلال إبرام مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية التطبيعية مع الدول العربية أهمها إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط.
وها هو يحث الخطى ليصبح مركزا للطاقة في العالم أجمع، على حساب الفلسطينيين، وتحت سمع وبصر الدول العربية، سواء المُطبِّعة أو غير المُطبِّعة.
المشروع يتضمن ربطاً طاقياً وكهربائياً بين مجموعة من الدول هي: «مصر، الأردن، سورية، لبنان، العراق». ويضاف إليها بشكل غير مباشر، الكيان المحتل لأنه مرتبط أصلاً بالمعنى الطاقي مع كل من مصر والأردن (ومرتبط من موقع المصدّر)… يضاف إلى ذلك، الترابط الطاقي/ السياسي لقسم من هذه الدول بشكلٍ علنيٍ مع الكيان ضمن ما يسمى “منتدى غاز شرق المتوسط”، والذي يضم كلّاً من: مصر، إسرائيل، قبرص، فرنسا، اليونان، إيطاليا، الأردن، والمُنشأ في القاهرة في أيلول من عام 2020، والذي انضمت إليه الولايات المتحدة في 9/آذار/2021 كعضو مراقب.
مجرد النظر إلى خريطة الخط، وطبيعة الترابطات الدولية التي أشرنا إليها، يسمح ببروز الاستنتاج الواضح، أنّ هوية المشروع الدولية، ورغم اسمه “الخط العربي”، هي هوية غربية بالصميم.

المصدر: مركز دراسات غرب آسيا

شاهد أيضاً

ميزانية تشبع اليمين فقط: نتنياهو يهمل الواقع الاقتصادي للكيان

“6 أشهر من الفشل”، هكذا وصفت صحيفة “هآرتس” العبرية أداء حكومة اليمين المتطرّف برئاسة بنيامين …

الاشترك بخدمة الخبر العاجل